الأحد، 21 يونيو 2009

علي الشعب أن يتحرك

على الشعب أن يتحرك

بقلم | عبده مصطفى دسوقي

أيام خالدة في تاريخ شعب مصر تلك التي كتبها أبناءه بمداد من دمائهم على صفحات مياه البحر وتحت عجلات السيارات أو أسفل أنقاض العمارات أو داخل عربات القطارات المحترقة, أو على أرغفة الخبز الملوثة أو المبيدات المسرطنة أو الحديد القاتل أو المسارح المحترقة أو الأرصفة المكسرة حقا أنها أيام ولحظات خالدة.

لقد ساء الحكومة أن ترى أحد من الشعب يحيى, بل ساء رجالها أن يجدوا المصريين رغم كل ذلك مازالوا يعارضون سياستها, فأخذت الحكومة ورجال أعمالها يسنوا القوانين ويفصلوا التشريعات, وأخذوا يتهمون الشعب بأنه المخطئ وأن سياسة الحكومة رشيدة والدليل مداح الدجالين والمنافقين وأصحاب العاهات المنبوذين لسياستها.

لقد لامت الحكومة الشباب المهاجر كيف سولت له نفسه بأن يلون مياه البحر بدمائه, بل كيف سمح الشعب لنفسه بأن يلوث عجلات السيارات بدمائه, بل كيف سمح الشعب لنفسه أن يسكن في عمارات ليست في قبضة السادة الوزراء فساءها ذلك فأخذت تطلب من الشعب ثمن تلويثه عجلات السيارات, ومياه البحار بأن سنت عقوبات ضريبة على العقارات وعلى الأطيان وعلى الحياة والهواء بل على الموتى الذين ماتوا ولوثوا بدمائهم عجل السيارات ومياه البحر الغدار.

بل أخذت وزارة الداخلية تطلب التعويضات من الشعب على ثمن الرصاص الذي صبه جنودها على المتظاهرين وعلى الفلاحين والعمال المشردين بل على طلبة العلم المظلومين، بل لم تكتف بذلك فعاقبت القتلى والجرحى الذين ماتوا وجرحوا في أقسامها لكونهم اعتدوا على ضباطها وجنودها قبل أن يموتوا برصاصهم, بل أخذت تتهم الشعب بأنه السبب في فشل المحافظة على الأمن والنظام ولذا لا يصلح معكم سوى قانون الطوارئ الهمام الذي يحمى الكرسي الغلبان. هذه هي الأيام الخالدة التي يعيشها الشعب المصري في ظل حكم سيدنا الهمام.

على الناحية الأخرى نجد أن العلاقة بين الغنى والفقير أصبحت علاقة بين السيد والعبد، فمع مرور الأيام يزداد الغنى غنا والفقير فقرا بسبب ظلم الأغنياء لطبقة الفقراء، بل أصبح سن القوانين لا يهدف إلا لخدمة وحماية الكبار.

فالإسلام لم يقلل من الجد والاجتهاد وزيادة الثروة لكن عن طريق الطرق المشروعة ودون أخذ حق واستعباد الفقير كما يحدث الآن، فلقد اعتنى الإسلام بالعلاقة بين الغنى والفقير في منظومة متكاملة من التعاون والحب بينهما، فيرتقى الغنى ويتحسن وضع الفقير وتزدهر البلاد.

إن الأغنياء الآن ينتظرون من الفقير أن يكون ذليلا لهم، عبدا مطيعا لرغباتهم، فيقف لهم عند مرورهم، ويثن عليهم وقت حديثهم.

وما يحدث لشعب مصر الآن ما هو إلا نموذج بين السيد والعبد، السيد الطاغي الآكل لحقوقهم والمتمثل في الحكومة والدولة، والعبد الذي يعمل على كسب قوته المتمثل في الموظفين والعمال والفلاحين وغيرهم من الطبقات المطحونة.

لكننا لو نظرنا نظرة متعقلة إلى هذه المسألة لنجد أن الغنى هو وحده المطالب باحترام الفقير، والوقوف له، فالحقيقة أن الموظفين والعمال والفلاحين هم الذين صنعوا الأغنياء بدمائهم وحيويتهم، وإن التماثيل المزينة في منازل الأغنياء وكبار النظام مصنوعة من عرق الفقير وأعصابه، فالفقير عبارة عن تراب الذهب الذي صنع الذهب للغنى، وهو نشارة الخشب التي تخلفت من صنع هذه التماثيل البراقة، فالأغنياء بالفقراء، وإذا طبقنا ما أمر به إسلامنا في العلاقة بين الغنى والفقير لعاشوا جميعا في رغد ومحبة .. لا حقد وكراهية، وإذا نظرت الحكومة إلى العمال والموظفين والفلاحين على أنهم القوة الدافعة للإنتاج ما بخلوا عليهم بحقوقهم، وما سنوا القوانين التي تقضى على آخر رمق لديهم، وما باعوا العمال إلى أصحاب المصانع.

أخشى في الفترة القادمة أن تتجه البلاد بسبب ما يسن ضد الفقراء من قوانين قاهرة والتي تدفعهم للإقدام على الموت وحدهم، أن تتكون عندهم فكرة الموت الجماعي فلا يفرق بين غني وفقير، فيسوء الإنتاج وتخرب البلاد.

لقد تعقدت مشكلات الناس وسادت الاضطرابات وخيم القلق, ولسنا بصدد الإحصاء والاستقصاء ولكن حسبنا أن نذكر مشاكل العمال واعتصامهم وأزمة رغيف العيش وغلاء الأسعار وتصدير الغاز والحديد لإسرائيل ومشاكل الصحة والتعليم, واحتكار بعض رجال الأعمال لثروات البلاد, ويقع كل ذلك تحت سمع الحكومة وبصرها, وترتفع أصوات المظلومين بالشكوى, وتجرى أنهار الصحف بدموع المتألمين والمنكوبين غير أن الأصوات تذهب مع الريح والدموع يبخرها الهواء وكل شيء معطل وكل إصلاح موقوف, لماذا؟ لأن أيدينا مغلولة ولأن المشاكل بغير حل ولا يمكن أن تمر مواكب الإصلاح إلا بعد أن تمر مواكب الجلاء .. جلاء الطمع وحب الاستئثار والأنانية التي أصبحت سمة بعض المسئولين ورجال الأعمال والأثرياء ورجال النظام ... لكن متى يحدث هذا الجلاء وينفسح المجال لمواكب الإصلاح الداخلي ذلك علمه عند الله.... غير أن الحل هو أن يتحرك الشعب، فيجرد نفسه من أطماع المصالح الشخصية، ويستشعر قيمة الوحدة والنهوض بمصلحة الوطن، والعمل على تحريره من ربقة العبودية لمعونات الغرب.

لابد أن يتحرك الشعب نحو التقدم الجماعي، لا البحث عن المصالح الفردية فالجميع في سفينة واحدة يحاولون الوصول إلى شاطئ الأمان ولن يحدث ذلك إلا أن نكون على قلب رجل واحد.

عبده مصطفى دسوقي

باحث تاريخي

أحكام اللحية

بسم الله الرحمن الرحيم .. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الأمي الأمين ، وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين ..

صلاةً وسلاماً نبلغ بهما أعلى الدرجات ، وندرك أقصى الغايات ، ويرضى بهما عنا ربُّ البريات سبحانه وتعالى ..

أما بعد ..

فإن قضية اللحية والاختلاف حول حكم إطلاقها وحلقها ، من القضايا التي باتت تشغل كل شاب مسلم وكل رجل مسلم ، بسبب كثرة الكلام حولها ، والزخم الذي حظيت به تلك القضية ..

وعلماء الأمة لم يقصّروا في واجبهم وتبيين الحق في مختلف المسائل على مر العصور والدهور ، منذ أن بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا ..

ولكن قليل من الناس من يحاول أن يقرأ بِرَوِيّة وعمق في هذه القضية .. ويريد كل إنسان أن يعرف الحكم الشرعي في المسألة عبر دقائق معدودة ، ينظر خلالها نظرة خاطفة إلى صفحة أو صفحتين من كتيب صغير ، ولا يريد أن يتعب نفسه في معرفة الحكم الشرعي من خلال بحث دؤوب في أقوال العلماء.

وهذا مما ابتُليَ المسلمون به في هذا الزمان ، واضْطَرَّ العلماءَ والباحثين أن يقدموا الأحكام الشرعية للقراء في سطور محدودة وكلمات معدودة ، حتى لا يضيع هذا الجيل من المسلمين ويتخبط بين ظلمات الجهل والوهم.

ولذا أردتُ أن أسهم بعمل متواضع ، يسلط الضوء على الحكم الشرعي في هذه المسألة ، التي يعتبرها البعض – للأسف – مقياسا للإيمان والإسلام ، وعلى أساس ذلك يصنّف الناس ويوالي ويعادي ..!!

ولا أزعم لنفسي في كتابتي هذه الوريقات بلوغَ رتبة العلماء أو حتى طلبة العلم المبرزين ، ولكن أردت أن أقرّب المسألة إلى الأذهان بأسلوب بسيط ، يعرفه هذا الجيل من الشباب ويفهمه العامي من الناس .. فأنا مجرد ناقل لأقوال العلماء .. متبِّع غير مبتدِع ، وجامع غير مؤلِّف ، ومبسِّط للعبارة غير مُنشِئٍ لها.

ولنشرع الآن في الكلام عن المقصود بحول الله تعالى وتوفيقه وعونه..

---------------------------------------------------------------

اللحية: هي الشعر الذي ينبت على الذقن للرجال دون النساء ..

وإعفاءُ اللحية قال البعض أنه فرض وبالَغُوا في العيب على غيرهم ، كما بالَغَ بعضٌ آخرٌ في ادِّعاء أنه ليس فرضا ، ولا مطلوباً بالمرة ..!!

والمسلكان مرفوضان ..

حيث لا يُقِرُّ الإسلام أن يعيب الشخصُ شخصا آخر لمجرد مخالفته في الرأي .. ومن خلال الكلام سيتضح إن شاء الله كيف أفْرَط هؤلاء وفَرّط أولئك في هذه المسألة.

- اتفق الفقهاء على أن إعفاء اللحية مطلوب .. ولكنهم اختلفوا في درجة الطلب..

هل هو واجب .. فيكون المسلم مكلفا تكليفا إلزاميا بإعفائها ، ويأثم لو كان حالقا لها؟

أم هو سنة لا ترقى إلى الوجوب .. فيكون المسلم مكلفا بالإعفاء على سبيل الاستحباب ، فإن شاء فعله وله أجر ، وإن شاء لم يفعله وليس عليه ذنب ؟

فالذين قالوا إن الإعفاء واجب .. استدلوا بحديث الصحيحين: (خالِفوا المشركين ، وفّروا اللِّحَى وأحفوا الشوارب) ، واللِّحى : جمع لحية .

وهذا الفريق حَمَل الأمرَ الوارد في الحديث بإعفاء اللحية على الوجوب ..

أي أنهم قالوا: إعفاء اللحية واجب يأثم المسلم بتركه ..

ويجب الانتباه هنا إلى أن الحُكْم له علّة – أي له سبب ارتبط به في الأحاديث المروية - وهى "مخالفة المشركين".

والذين قالوا أنه مندوب مستحب .. استندوا إلى الحديث الوارد في صحيح مسلم: (عشرة من الفطرة : قص الشارب وإعفاء اللحية والسواك واستنشاق الماء وقص الأظافر وغسل البراجم –وهي عُقَد الأصابع – ونتف الإبط وحلق العانة وانتقاص الماء- يعنى قِلَّتَه عند الاستخدام في الطهارة - وقال مصعب راوي الحديث :ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة)

أصحاب هذا الرأي إذن قد قالوا أن إعفاء اللحية شأنه شأن الأمور المذكورة في الحديث ، وليست كلها واجبة .. فالسواك والاستنشاق وقص الأظافر ليست واجبات ، وطالما أن اللحية مرصوصة مع هذه المندوبات فحكمها كحكم ما وردت معه ، فلماذا يميّز المخالفون حكم اللحية عن بقية ما ورد في الحديث الصحيح ؟

- وردّ عليهم أصحاب الرأي الأول القائل بوجوب الإعفاء فقالوا:

إعفاء اللحية ورد فيه أَمْرٌ على الخصوص .. وهذا الأمر مُعَلَّلٌ بمخالفة المشركين .. لذلك لابد من فهم الحديث على أنه يوجِب إعفاء اللحية ..

- ولكن ليس لهذا الرد وجه معتبر ولا يُعْتَدُّ به .. لأن تخصيص الحكم بعلة من العلل لا يُثْبِتٌ وجُوبَه أو نَدْبَه ، بل كل ما هنالك أنه يثبت تَعَلُّقَ الحكم بهذه العلة وارتباطه الوثيق بها .. فيوجَد حيث توجَد العلة وينتفي حيث تنتفي.

- لذلك رد عليهم القائلون باستحباب الإعفاء.. فقالوا:

لو كان الأمر بمخالفة المشركين يدل على الوجوب لكان صبغ الشعر واجبا ..

فقد ورد الحديث الذي رواه الجماعة كلهم (إن اليهود لا يصبغون فخالفوهم) ، ومع ذلك فقد أجمع السلف على عدم وجوب صبغ الشعر ، فمنهم من صبغ ومنهم من لم يصبغ .. [نقله الإمام ابن حجر العسقلاني في كتاب فتح الباري بشرح صحيح البخاري عند تعليقه على هذا الحديث].

وقال الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم ما نصه: "قال القاضي عياض بن موسى اليحصبي: قال الطبراني: الصواب أن الآثار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم بتغيير الشيب والآثار المروية في النهى عنه كلها صحيحة ، وليس فيها تناقض بحمد الله تعالى ..

بل الأمر بالتغيير لمن كان شَيْبُهُ مثلَ شيب أبي قحافة والد الصديق رضى الله عنهما .. والنهى لمن كان له شَمَطٌ فقط .. [قلت: الشمط هو البياض الشديد وعدم وجود غيره في الرأس].

قال: واختلاف السلف في فصل الأمرين بحسب اختلاف أحوالهم في ذلك .. مع أن الأمر والنهى في ذلك ليس للوجوب .. ولهذا لم ينكر بعضهم على بعض" . أهـ . [جزء 14 صفحة 80]..

فقال أصحاب الرأي الذي يرجح الاستحباب: ومنهم شيخ الإسلام القاضي عياض اليحصبي وشيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني -وهما من هما في القَدْرِ والإمامة-..:

لو قيل في اللحية مثل ما قيل في الصبغ من عدم الخروج على مألوفٍ مِنْ عُرْف أهل البلد ، لكان ذلك أَوْلَى .

وجاء في نهج البلاغة: "سئل علي رضى الله تعالى عنه عن قول النبي صلى الله عليه وسلم غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود) ، فقال: إنما قال ذلك وأهل الدين قلة - أي في قلة يحتاج بسببها المسلمون إلى شئ يميزهم عن بقية الناس- ، فأما الآن وقد اتسع نطاقه وضرب بجرانه ، فامرؤٌ وما يختار.." انتهى

وجاء في فتاوى الشيخ محمود شلتوت صــ 210: "أن صيغة الأمر كما تكون للوجوب ، تكون أيضا لمجرد الإرشاد لما هو أفضل .. وأن مشابهة المخالفين في الدين تكون حراما - فقط - فيما يُقْصَدُ به التشبه بعادات لها اتصال بدينهم .. أما مجرد المشابهة فيما تجرى به العادات والأعراف العامة فإنه لا بأس بها ولا حرمة ولا شبهة ولا كراهة..

ثم قال رحمه الله: الحق أن أمر اللباس والهيئات الشخصية - ومنها حلق اللحى - من العادات التي ينبغي أن ينزل المرء فيها على استحسان البيئة". انتهى

وهذا هو ما اختاره فضيلة العلامة الشيخ عطية صقر أيضا واعتمده في الفتاوى المنشورة له صــ 234.

وكذلك هناك ما نستطيع الاستدلال به للفريق الذي يرى الاستحباب . من كلام شيخ الإسلام أبى إسحاق الشاطبي صاحب كتابي الاعتصام والموافقات ..

فقد قال في الموافقات في باب المقاصد الشرعية: (( "إن الشرائع منذ خلق آدم عليه السلام إلى يومنا هذا لم تنزل إلا لتنظيم حياة الخلائق ، وإقامة منهج الله تعالى على الأرض ، وذلك من خلال الحفاظ على أصول خمسة .. يسميها علماء أصول الفقه الكُلِّيَّات الخمس ، أو الضرورات الخمس .. فلم تنزل شريعة إلا لكي تحفظ هذه الضرورات الخمس..

وهي كالتالي (حفظ الدين - حفظ العقل – حفظ النفس – حفظ المال – حفظ النسل )

وكل شئ من المأمورات - أي: من الأوامر الشرعية التي أوجبها الله تعالى على خلقه - يَصُبُّ في الحفاظ على هذه الخمس وإتمامها وإكمالها وإنمائها ..

كما أن كل شئ من المنهيات – أي: الأشياء التي نهى الله تعالى عنها وحرمها على خلقه - يُبْعِد عنها كل خطر وشر يتسبب في تَلَفِها .. وهذه الخمس هي الأصل والحكمة لكل الأوامر والنواهي" ..

ثم بعد ذلك قسّم الإمام الأوامر والواجبات الشرعية وجعلها درجات .. فليست كلها على مرتبة واحدة" ..

وقال أن " تقسيمها على هذا الترتيب هو من حيث حفظ هذه الخمس .. فما كان يساعد على نمائها وحفظها كان في المقام الأول من الأوامر والواجبات الشرعية ، وما كان أقل من ذلك في الحفاظ عليها كان أقل رتبة في الأمر به والحث عليه "..

ثم أَعْقَبَ ذلك بقوله: إذا تعارضت بعض الأوامر والواجبات في زمن من الأزمان أو مكان من الأماكن مع حفظ واحدة من هذه الضرورات الخمس ، يجب تقديم هذه الضرورة على هذه الأوامر ..

فالضرورة تبيح ما قد حظره الشرع .. عملا بالقاعدة المتفق عليها عند جميع الفقهاء والأصوليين والتي تقول (الضرورات تبيح المحظورات) ".

وذكر الشاطبي" أن الإضرار بهذه الخمس أو بإحداها لا يُشْتَرَط أن يكون مُتَحَقِّقًا لكي نأخذ بحكم الضرورة ..

بل إذا غلب على الظن أو تَرَجَّحَ أنه يترتب على إحداها ضرر من التمسك بواجب من الواجبات الأقل منها رتبة كان لازما على المكلف أن يترك الأمر من أجل أمر أعلى وأكبر..

وتسمى هذه القاعدة قاعدة الترجيح .. حيث يختار المجتهد أو المكلف أخف الضررين اتقاءً لأشدّهما"..)) انتهى بتصرف.

وعلى هذا: فإعفاء اللحية إن تسبب في جلب خطر على النفس أو العقل أو الدين أو المال أو النسل وجب تركه ، مراعاة للواجب الأعظم الذي من أجله أنزلت الشريعة ، ألا وهو حفظ واحدة من هذه الخمس ..

ولا أكون مبالغا إذا قلت أن الأذى في عصرنا واقع على غالب أصحاب اللحى ..

ويؤيد رأيَ الإمام الشاطبي كلامُ الإمام ابن تيمية في الهَدْيِ الظاهر ..

وعلى هذا فَكِلا الرأيين صحيح معتبر عند الفقهاء..

فلا يجوز أبدا أن يتهم بعضنا بعضا بإضاعة السنة وتخريب العقول والابتداع ، لمجرد الاختلاف في قضية قد ثبت أن علماءً كبارا قد اختلفوا فيها .. وإلا نكون بذلك نحكم على الناس بالجهل وندعي العلم لأنفسنا فقط..

وختاما .. حتى نضع الشاب المسلم على خلاصة هذه الرسالة نقول له: لاشيء عليك إذا عملتَ بالقول الذي يرى وجوب إعفاء اللحية .. ولا شيء عليك إذا عملت بالرأي القائل أنه مستحب فقط ..

لكن نكون آثمين لو اتهمنا بعضنا البعض بالابتداع أو الخطأ أو التلبيس على الناس .. لأن إنكار المنكر يُشترط فيه أن يكون المنكر متفقا على إنكاره عند العلماء ، وما وقع فيه خلاف معتبر بين العلماء فلا إنكار فيه.

هذا والله تعالى أعلى وأعلم .. هدانا الله وإياكم لما فيه الحق والخير..

وكتبه: محمود الحساني الأزهري المالكي

نقلا عن موقع قنا اون لاين

السبت، 13 يونيو 2009

من أخلاقنا الجميلة: العــــدل

من أخلاقنا الجميلة: العدل

[19:34مكة المكرمة ] [09/05/2009]


بقلم: د. جمال نصار

العدل ضد الظلم، يقال: عدل الشيء وعدله أقامه وسواه، وعكسه: الجور، والحيف، والظلم، فالجور: العدول عن الحق، والحيف: الميل في الحكم والجور فيه، والظلم: مجاوزة الحدّ، ومفارقة الحق، ووضع الشيء في غير موضعه إما بزيادة، أو بنقصان (1).

والمراد بالعدل: أن يُعطَى كل ذي حق حقه بلا بخس ولا ظلم ولا إفراط ولا تفريط (2).

وقد حث القرآن الكريم على العدل، وجعله هدف الرسالات السماوية يقول تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (الحديد: من الآية 25).

فالرسالات السماوية كلها، على اختلاف أزمانها وأماكنها، إنما جاءت لتقر في الناس مبادئ الحق والعدل، فهي تضع ميزانًا واحدًا، ومعيارًا واحدًا يقاس به الناس، فلا محاباة لجنس على حساب الآخر، ولا محاباة للون على آخر، وإنما هذا الميزان كفيل بأن يقيم العدل بين الناس؛ لأن منزِّله هو رب الناس جميعًا، الذي لا يحابي أحدًا على حساب أحد، ولا يحابي أمة على حساب أمة أخرى، إنما جعل للناس المنهج الذي يضمن لهم الحياة في ظل الحق والعدل.

يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)﴾ (النحل).

ويقول- أيضًا-: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9)﴾ (الرحمن).

ويقول تعالى:﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (المائدة: من الآية 8).

وقد حثت السنة النبوية الشريفة على إقامة العدل بين الناس، فمن ذلك ما روي عن النبي– صلى الله عليه وسلم-: (إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن- وكلتا يديه يمين- الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وُلوا) (3).

وعن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله منهم: إمام عادل...) (4).

وقال النبي– صلى الله عليه وسلم-: (يكون في آخر أمتي مسخ وقذف وخسف، ويبدأ بأهل المظالم) (5).

وحض النبي- صلى الله عليه وسلم- على ضرورة مقاومة الظلم، وحذر من مغبة التقاعس عن ذلك فقال: (إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمهم الله تعالى بعذاب منه) (6).

وأبعد من هذا دلالة على وجود العدل أن الله تعالى قد حرَّم الظلم على نفسه، ففي الصحيح أن النبي– صلى الله عليه وسلم- قال- إن الله تعالى قال في الحديث القدسي-: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا) (7).

ويقول ابن تيمية: إن الله عز وجل ينتصف من العباد، ويقضي بينهم بالعدل، وإن القضاء بينهم بغير العدل ظلم يتنزه الله عنه، وأنه لا يحمل على أحد ذنب غيره (8).

ودعوة المظلوم مستجابة: يقول- صلى الله عليه وسلم-: (اتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) (9).

ويقول الله تعالى: (وعزتي لأنصرنكِ ولو بعد حين) (10).

ولله در القائل:

لا تظلمن إذا كنت مقتدرًا فالظلم ترجع عقباه إلى الندم

تنام عيناك والمظلوم منتبه يدعو عليك وعين الله لم تنم

هذا التقدير الكامل للعدل، والإدانة الشديدة للظلم هما اللذان يفسران لنا عدل عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- الذي بلغ حدًّا لا يحلم ببلوغه خيال الفلاسفة المتفائلين، ويفسران تخوف كبار فقهاء المسلمين من مناصب القضاء، وتهربهم من توليها، حتى بلغ الأمر بالولاة الاضطرار إلى سجن بعض العلماء والفقهاء قسرًا على قبول منصب القضاء (11).

المنصور العباسي حبس الإمام أبا حنيفة- رحمه الله- وضربه بالسياط؛ بسبب إصراره على رفض منصب القضاء (12)، وقصة المنصور مع أبي حنيفة ليست الوحيدة في هذا الباب (13)، والعدل يصون خيرات كثيرة عديدة أساسية وحيوية، كالحياة والمال والعرض، وغيرها.

من صور العدل

الصورة غير متاحة

د. جمال نصار

لا شك أن العدل هو: الإرادة الراسخة والدائمة لاحترام كل الحقوق وأداء كل الواجبات (14)، وللعدل صور كثيرة، نذكر منها:

أولاً: العدل مع النفس:

وذلك بالتوازن بين حق البدن: من الراحة والعناية والطعام والشراب، وحق الروح من الزاد الإيماني والعبادات المحضة، ومن جانب آخر يوازن المسلم بين حق النفس، وحق الله، وحق الأهل، والأولاد، فلا يجعل حقًّا من هذه الحقوق يطغى على حق آخر، فإن في ذلك ظلمًا.

ويقول الرسول– صلى الله عليه وسلم-: (إن لبدنك عليك حقًّا، وإن لعينك عليك حقًّا، وإن لأهلك عليك حقًّا، وإن لزوجك عليك حقًّا) (15).

فعلى المرء أن يعدل مع نفسه أولاً؛ حتى لا يعرضها لعذاب الله بانحرافها عن الحق والعدل، فهو إن فعل ذلك يكون ظالمًا مع نفسه، يقول تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ (الطلاق: من الآية 1).

ثانيًا: العدل مع الأهل والأولاد:

فمن صور العدل أن يعدل الزوج مع زوجته فلا يظلمها، وينبغي على الوالدين أن يعدلوا في معاملاتهم لأولادهم، فلا ينبغي لهم أن يفضلوا أحد الأبناء على الآخرين فيعطونه من الهبة أكثر مما يعطوا الآخرين، أو يخصونه بالعطية دون غيره من إخوته، فإن ذلك يغرس بذور الحقد والكراهية في قلوب الأولاد؛ فينشئ بينهم العداوة والبغضاء.

وقد روى الإمام مسلم بسنده عن النعمان بن بشير- رضي الله عنهما- قال: تصدق عليَّ أبي ببعض ماله، فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تُشهِدَ رسول الله– صلى الله عليه وسلم- فانطلق أبي إلى النبي– صلى الله عليه وسلم- ليُشهِدَه على صدقته، فقال له رسول الله– صلى الله عليه وسلم-: (أفعلت هذا بولدك كلهم؟ قال: لا. قال: اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم). فرجع أبي فرد تلك الصدقة.

ثالثًا: العدل بين الزوجات:

فقد أباح الله تعدد الزوجات، وجعل له قيدًا لا بد منه، وهو العدل فيما يملك الإنسان العدل فيه، يقول تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي اليَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً...﴾ (النساء: من الآية 3).

أما الميل القلبي إلى إحداهن، فهذا مما ليس للإنسان فيه إرادة، ما لم يبنِ على هذا الميل أمرًا ماديًّا، يقول تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (129)﴾ (النساء).

أما أن يميل الإنسان إلى إحدى زوجاته فيغدق عليها من كل الخيرات ويحرم الأخرى، فإن هذا ظلم حرمه الله؛ بل ينبغي عليه أن يعدل بينهن في كل الأمور المادية.

رابعًا: العدل في الشهادة:

وذلك بأن تُؤدَّى الشهادة على وجهها الصحيح دون تزييف أو تزوير للحقائق، يقول تعالى: ﴿ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ...﴾ (الطلاق: من الآية 2).

ويقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ...﴾ (النساء: من الآية 135).

ويقول أيضًا: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ ﴾ (البقرة: من الآية 140).

خامسًا: العدل الاجتماعي:

عمل الإسلام على تقليل الفجوة بين الأغنياء والفقراء، فشرّع الوسائل التي من شأنها أن ترفع من شأن الفقراء، ومن هذه الوسائل:

1- فرض الزكاة لتؤخذ من الأغنياء وترد للفقراء، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60)﴾ (التوبة).

2- جعل الله للفقراء نصيبًا من الفيء (16) قال تعالى: ﴿مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(7)﴾ (الحشر).

3- ولما بعث رسول الله– صلى الله عليه وسلم- معاذ بن جبل- رضي الله عنه- إلى اليمن قال: (إنك تأتي قومًا أهل كتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله-عز وجل- افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله تعالى افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائمَ أموالهم، واتقِ دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) (17).

4- حذَّر الله تعالى من عدم إطعام المسكين، وعدم الحض على ذلك، فمن لم يطعم المسكين كان من أهل سقر المعذبين في النار: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43)وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44)﴾ (المدثر)، وترك الحض على إطعام المسكين قرين الكفر بالله: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30)ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31)ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (32)إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33)وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (34)﴾ (الحاقة)، والمجتمع الذي تضيع فيه الفئات الضعيفة مجتمع مذموم ﴿كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17)وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (18)وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا (19)وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (20)﴾ (الفجر).

سادسًا: العدل في الحكم:

إن العدل فضيلة الأب والابن، والرئيس والمرءوس، والقاضي والشاهد، والحاكم والمحكوم، والبائع والمشتري، وكل من يأخذ ويعطي، يثيب ويعاقب، بصرف النظر عن مقدار ما يعطي أو يأخذ؟، والأوامر القرآنية بالعدل تتجه إلى كل هؤلاء، وليست مقصورة على فئة منهم. يقول عز وجل: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾(النساء: من الآية 58)، فهذا أمر للحكام والقضاة، ولكل من يحكم؛ فالحاكم، أو رئيس الدولة، قاضٍ بين طبقات الأمة وفئاتها، وهو الذي يسن الكثير من القواعد والقوانين- بعد موافقة أولي الأمر- وهو أيضًا يملك السلطة التي تستطيع إنفاذ العدل أو عرقلته، ومن العسير رده عن ظلمه؛ لأنه يمثل قمة السلطة؛ حتى أولي الأمر ربما لا يفلحون في حمله على العدل.

والقاضي يعدل بين الأفراد والجماعات؛ لكنه لا يسن القواعد والقوانين، إنه مجرد منفذ، ومن الممكن رده وإحالة الأمر إلى قاضٍ آخر. وصعوبة مهمته ترجع أساسًا إلى ما يلجأ إليه المتخاصمون عادة من تزوير وتضليل، وبخاصة في هذا العصر (18).

سابعًا: العدل مع غير المسلمين:

من عظمة الدين الإسلامي أنه لا يفرق بين المسلم وغيره من أصحاب الديانات الأخرى في العدل؛ لأن الله- عز وجل- وضعه لينعم به كل الناس؛ بل إن الله استأمن هذه الأمة على إقرار العدالة بين الناس، فهي المسئولة أمام الله– تعالى- عن إقرار قيم العدل والحق في الأرض، يقول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة: من الآية143)، فلا يدفع الحب إلى المحاباة، ولا يدفع الكره إلى الظلم والجور، يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8)﴾ (المائدة)، ويقف الإنسان مدهوشًا أمام ما حدث بين علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب- رضي الله عنهما- وقد تحاكم عليٌّ أمام عمر، وكان الخصم يهوديًّا، وكان عمر– كعادته- ينادي عليه قائلاً: يا أبا الحسن، فلما ناداه في هذه المرة، وهو يتحاكم أمامه، ظهر الغضب على وجه عليّ، فظن عمر أن عليًّا يتبرم من وقوفه مع اليهودي على قدم المساواة، فقال عمر لعلي: أكرهت أن يكون خصمك يهوديًّا؟ فقال علي- رضي الله عنه-: إنما غضبت لأنك لم تسوِّ بيني وبين خصمي اليهودي إذ ناديته باسمه، وناديتني بكنيتي (19).

إلى هذا الحد يريد الإمام علي- رضي الله عنه- أن يسوَّى بينه وبين اليهودي؛ حتى في أسلوب النداء!!.

هلاك الأمم يأتي بالتفريط في إقامة العدل:

فالله- سبحانه وتعالى- إنما استخلف هذه الأمة لتقيم العدل بين الناس، فإن هي تخلت عن هذه الرسالة، فإنها لم تعد صالحة للاستخلاف، بل يؤخرها الله لتكون في مؤخرة الأمم، ولهذا قالوا: (إن الدولة العادلة تبقى وإن كانت كافرة، وإن الدولة الظالمة تفنى وإن كانت مسلمة).

ويقول أبو بكر الصديق- رضي الله عنه-: "القوى فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له". فهو يقرر أن الظالم يكون ضعيفًا في ظل الحاكم العادل، والضعيف يكون قويًّا؛ لأنه صاحب حق يحميه الحاكم العادل.

ويبين الرسول– صلى الله عليه وسلم- أن استثناء بعض الناس من تطبيق الأحكام لاعتبار الفقر أو الغنى، أو الشرف أو الوضاعة، هو نوع من الظلم الذي ينذر الأمة كلها بالهلاك والفناء، فعن عائشة- رضي الله عنها- أن قريشًا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا: "من يكلم فيها رسول الله– صلى الله عليه وسلم ؟ ثم قالوا من يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حِبُّ رسول الله– صلى الله عليه وسلم؟، فكلمة أسامة، فقال رسول الله– صلى الله عليه وسلم -: (يا أسامة أتشفع في حد من حدود الله؟!، ثم قام فخطب فقال: إنما أهلك الذين من قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) (20).

العـــــــدالة

بقلم: د. عبد الرحمن البر

-------------

* أستاذ الحديث وعلومه بجامعة الأزهر

الحمد لله رب العالمين، القائل جلّ جلاله في محكم التنزيل: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58)﴾ (النساء).

وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، قال في حديثه القدسي الذي أخرجه مسلم من حديث أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: "يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلاَ تَظَالَمُوا".

وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه وخيرتُه من خلقه وأمينُه على وحيه، كان صلى الله عليه وسلم يُنصف الناسَ من نفسه، أخرج عبد الرزاق والبيهقي عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ يُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا قَدْ عَصَّبَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: "خُذْ بِيَدِي يَا فَضْلُ"، فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ حَتَّى قَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ: "مَنْ قَدْ كُنْتُ أَخَذْتُ لَهُ مَالاً فَهَذَا مَالِي فَلْيَأْخُذْ مِنْهُ"، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي عِنْدَكَ ثَلاَثَةَ دَرَاهِمَ. فَقَالَ: "أَمَّا أَنَا فَلاَ أُكَذِّبُ قَائِلاً وَلاَ نَسْتَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فِيمَ كَانَتْ لَكَ عِنْدِي"، قَالَ: أَمَا تَذْكُرُ أَنَّهُ مَرَّ بِكَ سَائِلٌ فَأَمَرْتَنِي فَأَعْطَيْتُهُ ثَلاَثَةَ دَرَاهِمَ؟ قَالَ: "أَعْطِهِ يَا فَضْلُ".

الصورة غير متاحة

د. عبد الرحمن البر

وروى البيهقي وغيره أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَأَى رَجُلاً مُتَخَلِّقًا (يعني يضع على جسده وثيابه خلوقًا) فَطَعَنَهُ بِقِدْحٍ كَانَ فِي يَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: "أَلَمْ أَنْهَكُمْ عَنْ مِثْلِ هَذَا؟" فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ قَدْ عَقَرْتَنِي! فَأَلْقَى إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْقِدْحَ فَقَالَ لَهُ: "اسْتَقِدْ". فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنَّكَ طَعَنْتَنِي وَلَيْسَ عَلَيَّ ثَوْبٌ وَعَلَيْكَ قَمِيصٌ! فَكَشَفَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ بَطْنِهِ، فَأَكَبَّ عَلَيْهِ الرَّجُلُ فَقَبَّلَهُ.

صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه، ومَن سار بدعوته واستنَّ بسنته إلى يوم الدين، أما بعد: فحديثنا اليوم حول مفهوم العدالة وفضيلتها ومجالاتها في ضوء الإسلام الحنيف؛ وذلك من خلال النقاط التالية:

أولاً: قيمة العدل في الإسلام:

أيها الإخوة الأحباب المسلمون.. إن العدلَ من أعظم الفرائض التي افترضها الله على البشر، جعله الله سببًا لاستقرار حياة الناس، وسببًا لشيوع السعادة والأمن، وجعل انعدامَه سببًا لزوال الأمم والمجتمعات، فهو أساسُ الملك، وهو حامي الأمن، وهو أصل جميع الأخلاق الحميدة، ومنه تتفرع سائر الأخلاق الكريمة، وهو إحْدَى قَوَاعِدِ الدُّنْيَا الَّتِي لا انْتِظَامَ لَهَا إلا بِهِ، وَلا صَلاحَ فِيهَا إلا مَعَهُ.

وبلغ من عظمته أن الله سمَّى نفسه به، فهو العدل.. العدل المطلق.. ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ (النساء: من الآية40)، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (فصلت: من الآية 46).. وقد أمر الله البشرية بالعدل منذ خلقها ومنذ أقامها وأرسل إليها الرسل، فجعل لكل جانٍ عقوبةً مناسبةً للجناية التي جناها، وأمر الناس أن يقيموا العدلَ فيما بينهم حتى لا يزولَ ملكُهم ولا تدول دولتُهم.. فالعدلُ هو سر بقاء الأمم ولو كانت كافرة، وغيابُه هو سر هلاك الأمم ولو كانت مسلمة.

قال العلماء: إن الله تبارك وتعالى ينصر الدولةَ العادلةَ ولو كانت كافرة، ويُهلك الدولةَ الظالمةَ، ولو كانت مسلمة.

وجاء الحبيب صلى الله عليه وسلم بالعدل من أول يوم بعثه الله برسالته، أمره ربه تبارك وتعالى أن يعدل مع نفسه فلا يظلمها، وأن يعدل مع مَنْ حوله فلا يحيف عليهم ولا يظلمهم؛ بل أمره الله عز وجل أن يعدل حتى مع المخالفين له.

والعدل.. ليس فقط عدلاً في القضاء؛ بل هو عدلٌ في كل الأحوال، فالله جل وعلا يدعونا أنا وأنت وكلَّ مسلم، يقول جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ (النساء: من الآية 135)، فلو كنت تشهد على نفسك أو على والديك أو على أقاربك، فلا بد أن تقول الحق ﴿إِن يَكُنْ غَنِيًا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُوا الهَوَى أَن تَعْدِلُوا وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (النساء: من الآية 135)، يحذرنا الله تبارك وتعالى أن نغالط أو نجامل الظالم ولو كان أبانا أو أخانا أو قريبنا، فضلاً عما سوى ذلك.

ثانيا: تحرِّي العدل حتى مع المخالفين:

بيَّن الحق جل وعلا أن الخلافَ ليس مبررًا لظلم المخالِف، ولما أراد الحبيب صلى الله عليه وسلم وأصحابه أن يعتمروا ويطوفوا بالبيت الحرام، ومنعتْهم قريشٌ ظلمًا وعدوانًا، قال لهم ربُّ العزة تبارك وتعالى: ﴿ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ (المائدة: من الآية 2)، أي لا يحملنَّكم هذا الظلمُ على أن تواجهوا الظلمَ بظلمٍ! هؤلاء الذين ظلموا ومنعوكم من الطواف حول بيت الله، لا تردوا ظلمَهم بظلم، ولا يحملنكم بُغْضُكم لبعض الناس على أن تحيفوا عليهم أو تظلموهم؛ بل يجب على المسلم أن يعدلَ حتى مع هؤلاء المخالفين.

أحد المنافقين سرق متاعًا من أحد بيوت المسلمين، فلما خشي أن ينكشفَ أمره، ألقى بالمتاع في بيت أحد اليهود، وضُبط المسروق، وجعل اليهودي يقسم ويحلف أنه ما سرق وما علم، وكادت الأصابعُ تشير إلى هذا المنافق الذي سرق، ولكن أولياءَه وأصحابَه جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومازالوا يكلمونه ويحدثونه ويقولون: يا رسول الله، هذا رجل مسلم ما علمنا عنه إلا خيرًا، كيف تسمع إلى هذا اليهودي؟ كيف تجعل المسلم هو الذي سرق وتبرئ ساحة اليهودي؟ كيف كذا.. كيف كذا؟ وزادوا من إلحاحهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا بالكتاب العزيز ينزل به أمينُ السماء على أمين الأرض، يقول رب العزة والجلال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (105) وَاسْتَغْفِرْ اللهَ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (106) وَلا تُجَادِلْ عَنْ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (107) يَسْتَخْفُونَ مِنْ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنْ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنْ الْقَوْلِ وَكَانَ اللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (108) هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً (109) وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرْ اللهَ يَجِدْ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا (110) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (111) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدْ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (112)﴾ (النساء)، وهكذا برَّأ القرآن الكريم ساحة اليهودي، فكونه يهوديًّا لا يعني أن يظلمه المسلمون.

بهذا العدل قامت السماء والأرض، وبهذا العدل ساد الإسلام، هذا العدل حمل أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يطبقوه حتى مع أبغض الناس إليهم.

فحينما جاء اليهود يحتكمون إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ (المائدة: 42).

ولما فتح الله خيبرَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، اتفق يهودُ خيبر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يزرعوا أرضَهم ويؤدوا نصفَ الثمار إلى النبي صلى الله عليه وسلم، اتفقوا على أن يبقيَهم النبي- صلى الله عليه وسلم- فيقوموا هم بزراعة الأرض ورعاية النخيل، وفي نهاية الموسم يقسمون الثمار مع النبي صلى الله عليه وسلم، وأرسل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إليهم عبدَ الله بن رواحة ليقسم بينه وبينهم، فماذا حدث؟ أخرج مالك في الموطأ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ إِلَى خَيْبَرَ، فَيَخْرُصُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَهُودِ خَيْبَرَ. قَالَ: فَجَمَعُوا لَهُ حَلْيًا مِنْ حَلْيِ نِسَائِهِمْ، فَقَالُوا لَهُ: هَذَا لَكَ، وَخَفِّفْ عَنَّا، وَتَجَاوَزْ فِي الْقَسْمِ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ: يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ وَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَمِنْ أَبْغَضِ خَلْقِ اللَّهِ إِلَيَّ، وَمَا ذَاكَ بِحَامِلِي عَلَى أَنْ أَحِيفَ عَلَيْكُمْ، فَأَمَّا مَا عَرَضْتُمْ مِنَ الرُّشْوَةِ فَإِنَّهَا سُحْتٌ، وَإِنَّا لاَ نَأْكُلُهَا. فَقَالُوا: بِهَذَا قَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ.

ثالثًا: العدل يشمل أفراد الأمة جميعًا بلا استثناء

فالعدل هو الحق الذي نزلت به الكتبُ وأُرسلت به الرسل؛ ولهذا كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لا يمنع الناس أن يطلبوا حقوقَهم منه.. أخرج أبو نعيم في معرفة الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم عدَّل صفوفَ أصحابه يوم بدر، وفي يده قِدْح يعدل به القوم، فمر بسَوَاد بن غَزِيَّة حليف بني عدي بن النجار وهو مستنتل (أي متقدم) من الصف، فطعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقدح في بطنه، وقال: "اسْتَوِ يَا سَوَادُ" فقال: يا رسول الله أوجعتني وقد بعثك الله بالعدل، فأَقِدْني. قال: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اسْتَقِدْ" قال: يا رسول الله إنك طعنتني وليس عليَّ قميص. قال: فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه، وقال: "اسْتَقِدْ" قال: فاعتنقه، وقبَّل بطنه، وقال: "مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا يَا سَوَادُ؟" قال: يا رسول الله، حضرني ما ترى، ولم آَمَن القتل، فأردتُ أن يكون آخرُ العهد بك أن يمسَّ جلدي جلدَك، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم له بخير.

الشاهدُ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل- وهو قائد الأمة والرسول الأعظم- أن يُقْتَصَّ منه؛ بل إن الناس الذين كانت فيهم جفوةُ البادية وغلظةُ الأعراب، كانوا ربما أساءوا إليه صلى الله عليه وسلم فلا تحملُه إساءتُهم على ظلمهم.

أخرج الحاكم في المستدرك وصححه أن زيد بن سعنة كان من أحبار اليهود أتى النبي صلى الله عليه وسلم يتقاضاه، فجبذ ثوبه عن منكبه الأيمن، ثم قال: إنكم يا بني عبد المطلب أصحاب مَطْلٍ، وإني بكم لعارف. فانتهره عمر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عَمُر أَنَا وَهُوَ كُنَّا إِلَى غَيْرِ هَذَا مِنْكَ أَحْوَجَ، أَنْ تَأْمُرَنِي بِحُسْنِ الْقَضَاءِ، وَتَأْمُرَهُ بِحُسْنِ التَّقَاضِي، انْطَلِقْ يِا عُمَرُ أَوْفِهِ حَقَّهُ، أَمَا إِنَّهُ قَدْ بَقِيَ مِنْ أَجَلِهِ ثَلَاثٌ، فَزِدْهُ ثَلَاثِينَ صَاعًا لِتَزْوِيرِكَ عَلَيْهِ"، فهذا عدلٌ يقوم به قائدُ الأمة.. لهذا عاش الناس في سعادة.

أيها الأحبة الكرام.. العدل فريضة.. أمر الله بها بين الناس بين الناس ككل، أخرج مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا". أي هم الذين يعدلون في أحكامهم، سواء كانوا حكامًا أو قضاةً أو أمراءَ أو رؤساءَ مصالح، أو آباءَ في البيوت.. كل هذه ولايات.

بل إن العدل بين الأولاد أمر الله به، فقد جاء رجل اسمه بشير بن ثعلبة إلى النبي- صلى الله عليه وسلم-، يشهده على أنه أعطى ولدَه النعمان حديقةً دون سائر ولده، فرفض النبي صلى الله عليه وسلم، أخرج البخاري عن النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال: أَعْطَانِي أَبِي عَطِيَّةً، فَقَالَتْ عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ: لا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إِنِّي أَعْطَيْتُ ابْنِي مِنْ عَمْرَةَ بِنْتِ رَوَاحَةَ عَطِيَّةً، فَأَمَرَتْنِي أَنْ أُشْهِدَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "أَعْطَيْتَ سَائِرَ وَلَدِكَ مِثْلَ هَذَا؟" قَالَ: لا. قَالَ: "فَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلادِكُمْ". قَالَ: فَرَجَعَ فَرَدَّ عَطِيَّتَهُ.

يريد الإسلام أن يتحقق العدل على كل المستويات، على مستوى الأسرة في البيت، وعلى مستوى الإدارة والمصلحة، وعلى مستوى المدينة وعلى مستوى المحافظة، وعلى مستوى الدولة، وعلى مستوى الخلافة، لابد أن يكون كل إنسان في موقعه عادلاً، وبهذا تستقر أمور الناس.. وما الفساد الذي تحياه الأمة إلا بسبب شيوع الظلم فيما بينها، وإنَّ أشدَّ الناس تضررًا من الظلم لهو الظالم إن شاء الله؛ لأن الله لن يفلتَه، وسيخزيه في الدنيا، وسيخزيه يوم العرض عليه تبارك وتعالى.

رابعًا: كلمة أخيرة في آثار العدل في حفظ الدولة:

إن الله تبارك وتعالى قدَّس العدل، وقدَّس الأمم التي تقدِّس العدل، وكتب لها الغلبة والسيادة. وإن العدل حين يطبقه ذو الأمر والسلطان يكون مانعًا كل فرد من الرعية من الجور والاعتداء، كما أنه يَدْعُو إلَى الأُلْفَةِ، وَيَبْعَثُ عَلَى الطَّاعَةِ، وَتَتَعَمَّرُ بِهِ الْبِلادُ، وَتَنْمُو بِهِ الأَمْوَالُ، وَيَكْثُرُ مَعَهُ النَّسْلُ، وَيَأْمَنُ بِهِ السُّلْطَانُ.

وأحقُّ الناس بإجبار نفسه على العدل الملوكُ والرؤساء الذين بعدلهم يعدل من دونهم؛ لأن الآحاد إذا لم يعدل الواحد منهم قُوِّم بالسلطان، وأما هو فلا مُقّوِّم له، ولأن العدل ميزان صلاحه ونجاحه وفلاحه واستمرار دولته، إذ لا نظام لها إلا به، لَيْسَ شَيْءٌ أَسْرَعَ فِي خَرَابِ الأرْضِ وَلا أَفْسَدَ لِضَمَائِرِ الْخَلْقِ مِنْ الْجَوْرِ؛ لأنَّهُ لَيْسَ يَقِفُ عَلَى حَدٍّ ولا يَنْتَهِي إلَى غَايَةٍ.

حُكِيَ أَنَّ الإِسْكَنْدَرَ قَالَ لِحُكَمَاءِ الْهِنْدِ، وَقَدْ رَأَى قِلَّةَ الشَّرَائِعِ بِهَا: لِمَ صَارَتْ سُنَنُ بِلادِكُمْ قَلِيلَةً؟ قَالُوا: لإِعْطَائِنَا الْحَقَّ مِنْ أَنْفُسِنَا، وَلِعَدْلِ مُلُوكِنَا فِينَا. فَقَالَ لَهُمْ: أَيُّمَا أَفْضَلُ، الْعَدْلُ أَوْ الشُّجَاعَةُ؟ قَالُوا: إذَا اُسْتُعْمِلَ الْعَدْلُ أَغْنَى عَنْ الشجَاعَةِ.

وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: بِالْعَدْلِ والإنْصَافِ تَكُونُ مُدَّةُ الائْتِلافِ.

وقد قيل: اعمر نعمتك بالعدل فإن الجور يهدمها.

وفي إشاعة العدل قوة القلوب وطيب النفس ولزوم اليقين وأمان من العدو، وهذا هو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لما أقام أركان العدل في دولته كان ينام تحت الشجرة، بلا حارس ولا رقيب، يحرسه العدل، قال الغزالي في التبر المسبوك في نصيحة الملوك: أرسل قيصر ملك الروم رسولاً إلى عمر بن الخطاب لينظر أحواله ويشاهد فعاله، فلما دخل المدينة سأل أهلها وقال: أين ملككم؟ قالوا: ليس لنا ملك، بل لنا أمير قد خرج إلى ظاهر المدينة، فخرج الرسول في طلبه، فوجده نائمًا في الشمس على الأرض فوق الرمل الحار، وقد وضع درته كالوسادة تحت رأسه، والعرَق يسقط منه إلى أن بَلَّ الأرض، فلما رآه على هذه الحالة وقع الخشوع في قلبه وقال: رجل تكون جميع ملوك الأرض لا يَقَرَّ لهم قرارٌ من هيبته، وتكون هذه حاله، ولكنك يا عمر عَدَلْت فَأَمِنْت فَنِمْت، وملكنا يجور، لا جَرَمَ أنه لا يزال ساهرًا خائفًا، أشهد أن دينكم لَدِين الحق، ولولا أني أتيت رسولاً لأسلمتُ، ولكن سأعود بعد هذا وأسلم.

وقال الحسن بن علي: رأيت عثمان رضي الله عنه وقد جمع الحصى في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم عند رأسه، وقد وضع إحدى جانبي ردائه عليه، وهو يومئذ أمير المؤمنين، ما عنده أحد من الناس ودِرَّته بين يديه.

وكتب عامل حمص إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: إن مدينة حمص قد تهدمت واحتاجت إلى الإصلاح. فكتب إليه عمر: حصِّنها بالعدل، ونَقِّ طرقها من الجور، والسلام.

وكتب عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة إلى الحسن بن أبي الحسن البصري أن يكتب له صفة الإمام العادل؛ فكتب إليه الحسن: اعلم يا أمير المؤمنين، أن الله جعل الإمامَ العادلَ قوامَ كل مائل، وقصدَ كل جائر، وصلاحَ كل فاسد، وقوةَ كل ضعيف، ونصفةَ كل مظلوم، ومفزعَ كل ملهوف.

والإمامُ العادلُ يا أمير المؤمنين كالراعي الشفيق على إبله، والحازم الرفيق الذي يرتاد لها أطيب المراعي، ويَذُودُها عن مراتع الهلكة، ويحميها من السباع، ويكنفها من أذى الحر والقِرِّ.

والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالأب الحاني على ولده، يسعى لهم صغارًا، ويُعَلِّمُهم كبارًا، يكسب لهم في حياته، ويدخر لهم بعد وفاته.

والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالأم الشفيقة البرّة الرفيقة بولدها، حملته كُرهًا، ووضعته كُرهًا، وربَّتْه طفلاً، تسهر لسهره وتسكن لسكونه، وترضعه تارة وتفطمه أخرى، وتفرح بعافيته، وتغتم بشكايته.

والإمام العادل يا أمير المؤمنين وصيُّ اليتامى، وخازن المساكين، يربي صغيرهم ويمون كبيرهم.

والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالقلب بين الجوارح، تصلح الجوارح بصلاحه، وتفسد بفساده.

والإمام العادل يا أمير المؤمنين هو القائم بين الله وعباده، يسمع كلام الله ويُسمعهم، وينظر إلى الله ويريهم، وينقاد لله ويقودهم.

وقال الحكيم: من اتخذ العدل سنة كان له أحصن جنة، ومن استشعر حلة العدل فقد استكمل رتبة الفضل.

لهذا كان حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تحقيق العدل بين الناس، وحرص الصحابة رضي الله عنهم على ذلك، وهو ما يجب أن تحرص عليه أمتنا الإسلامية؛ لتكون أمة تستحق أن ينصرها الله تبارك وتعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ (41)﴾ (الحج).

أسأل الله العلى القدير أن يهيئ لأمتنا أمْرًا رشدًا، يُعَزُّ فيه أهلُ طاعته، ويُذَلُّ فيه أهلُ معصيته، ويؤمَر فيه بالمعروف، ويُنْهَى فيه عن المنكر، إنه على كل شيء قدير.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.