الأحد، 21 يونيو 2009

علي الشعب أن يتحرك

على الشعب أن يتحرك

بقلم | عبده مصطفى دسوقي

أيام خالدة في تاريخ شعب مصر تلك التي كتبها أبناءه بمداد من دمائهم على صفحات مياه البحر وتحت عجلات السيارات أو أسفل أنقاض العمارات أو داخل عربات القطارات المحترقة, أو على أرغفة الخبز الملوثة أو المبيدات المسرطنة أو الحديد القاتل أو المسارح المحترقة أو الأرصفة المكسرة حقا أنها أيام ولحظات خالدة.

لقد ساء الحكومة أن ترى أحد من الشعب يحيى, بل ساء رجالها أن يجدوا المصريين رغم كل ذلك مازالوا يعارضون سياستها, فأخذت الحكومة ورجال أعمالها يسنوا القوانين ويفصلوا التشريعات, وأخذوا يتهمون الشعب بأنه المخطئ وأن سياسة الحكومة رشيدة والدليل مداح الدجالين والمنافقين وأصحاب العاهات المنبوذين لسياستها.

لقد لامت الحكومة الشباب المهاجر كيف سولت له نفسه بأن يلون مياه البحر بدمائه, بل كيف سمح الشعب لنفسه بأن يلوث عجلات السيارات بدمائه, بل كيف سمح الشعب لنفسه أن يسكن في عمارات ليست في قبضة السادة الوزراء فساءها ذلك فأخذت تطلب من الشعب ثمن تلويثه عجلات السيارات, ومياه البحار بأن سنت عقوبات ضريبة على العقارات وعلى الأطيان وعلى الحياة والهواء بل على الموتى الذين ماتوا ولوثوا بدمائهم عجل السيارات ومياه البحر الغدار.

بل أخذت وزارة الداخلية تطلب التعويضات من الشعب على ثمن الرصاص الذي صبه جنودها على المتظاهرين وعلى الفلاحين والعمال المشردين بل على طلبة العلم المظلومين، بل لم تكتف بذلك فعاقبت القتلى والجرحى الذين ماتوا وجرحوا في أقسامها لكونهم اعتدوا على ضباطها وجنودها قبل أن يموتوا برصاصهم, بل أخذت تتهم الشعب بأنه السبب في فشل المحافظة على الأمن والنظام ولذا لا يصلح معكم سوى قانون الطوارئ الهمام الذي يحمى الكرسي الغلبان. هذه هي الأيام الخالدة التي يعيشها الشعب المصري في ظل حكم سيدنا الهمام.

على الناحية الأخرى نجد أن العلاقة بين الغنى والفقير أصبحت علاقة بين السيد والعبد، فمع مرور الأيام يزداد الغنى غنا والفقير فقرا بسبب ظلم الأغنياء لطبقة الفقراء، بل أصبح سن القوانين لا يهدف إلا لخدمة وحماية الكبار.

فالإسلام لم يقلل من الجد والاجتهاد وزيادة الثروة لكن عن طريق الطرق المشروعة ودون أخذ حق واستعباد الفقير كما يحدث الآن، فلقد اعتنى الإسلام بالعلاقة بين الغنى والفقير في منظومة متكاملة من التعاون والحب بينهما، فيرتقى الغنى ويتحسن وضع الفقير وتزدهر البلاد.

إن الأغنياء الآن ينتظرون من الفقير أن يكون ذليلا لهم، عبدا مطيعا لرغباتهم، فيقف لهم عند مرورهم، ويثن عليهم وقت حديثهم.

وما يحدث لشعب مصر الآن ما هو إلا نموذج بين السيد والعبد، السيد الطاغي الآكل لحقوقهم والمتمثل في الحكومة والدولة، والعبد الذي يعمل على كسب قوته المتمثل في الموظفين والعمال والفلاحين وغيرهم من الطبقات المطحونة.

لكننا لو نظرنا نظرة متعقلة إلى هذه المسألة لنجد أن الغنى هو وحده المطالب باحترام الفقير، والوقوف له، فالحقيقة أن الموظفين والعمال والفلاحين هم الذين صنعوا الأغنياء بدمائهم وحيويتهم، وإن التماثيل المزينة في منازل الأغنياء وكبار النظام مصنوعة من عرق الفقير وأعصابه، فالفقير عبارة عن تراب الذهب الذي صنع الذهب للغنى، وهو نشارة الخشب التي تخلفت من صنع هذه التماثيل البراقة، فالأغنياء بالفقراء، وإذا طبقنا ما أمر به إسلامنا في العلاقة بين الغنى والفقير لعاشوا جميعا في رغد ومحبة .. لا حقد وكراهية، وإذا نظرت الحكومة إلى العمال والموظفين والفلاحين على أنهم القوة الدافعة للإنتاج ما بخلوا عليهم بحقوقهم، وما سنوا القوانين التي تقضى على آخر رمق لديهم، وما باعوا العمال إلى أصحاب المصانع.

أخشى في الفترة القادمة أن تتجه البلاد بسبب ما يسن ضد الفقراء من قوانين قاهرة والتي تدفعهم للإقدام على الموت وحدهم، أن تتكون عندهم فكرة الموت الجماعي فلا يفرق بين غني وفقير، فيسوء الإنتاج وتخرب البلاد.

لقد تعقدت مشكلات الناس وسادت الاضطرابات وخيم القلق, ولسنا بصدد الإحصاء والاستقصاء ولكن حسبنا أن نذكر مشاكل العمال واعتصامهم وأزمة رغيف العيش وغلاء الأسعار وتصدير الغاز والحديد لإسرائيل ومشاكل الصحة والتعليم, واحتكار بعض رجال الأعمال لثروات البلاد, ويقع كل ذلك تحت سمع الحكومة وبصرها, وترتفع أصوات المظلومين بالشكوى, وتجرى أنهار الصحف بدموع المتألمين والمنكوبين غير أن الأصوات تذهب مع الريح والدموع يبخرها الهواء وكل شيء معطل وكل إصلاح موقوف, لماذا؟ لأن أيدينا مغلولة ولأن المشاكل بغير حل ولا يمكن أن تمر مواكب الإصلاح إلا بعد أن تمر مواكب الجلاء .. جلاء الطمع وحب الاستئثار والأنانية التي أصبحت سمة بعض المسئولين ورجال الأعمال والأثرياء ورجال النظام ... لكن متى يحدث هذا الجلاء وينفسح المجال لمواكب الإصلاح الداخلي ذلك علمه عند الله.... غير أن الحل هو أن يتحرك الشعب، فيجرد نفسه من أطماع المصالح الشخصية، ويستشعر قيمة الوحدة والنهوض بمصلحة الوطن، والعمل على تحريره من ربقة العبودية لمعونات الغرب.

لابد أن يتحرك الشعب نحو التقدم الجماعي، لا البحث عن المصالح الفردية فالجميع في سفينة واحدة يحاولون الوصول إلى شاطئ الأمان ولن يحدث ذلك إلا أن نكون على قلب رجل واحد.

عبده مصطفى دسوقي

باحث تاريخي

أحكام اللحية

بسم الله الرحمن الرحيم .. الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الأمي الأمين ، وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين ..

صلاةً وسلاماً نبلغ بهما أعلى الدرجات ، وندرك أقصى الغايات ، ويرضى بهما عنا ربُّ البريات سبحانه وتعالى ..

أما بعد ..

فإن قضية اللحية والاختلاف حول حكم إطلاقها وحلقها ، من القضايا التي باتت تشغل كل شاب مسلم وكل رجل مسلم ، بسبب كثرة الكلام حولها ، والزخم الذي حظيت به تلك القضية ..

وعلماء الأمة لم يقصّروا في واجبهم وتبيين الحق في مختلف المسائل على مر العصور والدهور ، منذ أن بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا ..

ولكن قليل من الناس من يحاول أن يقرأ بِرَوِيّة وعمق في هذه القضية .. ويريد كل إنسان أن يعرف الحكم الشرعي في المسألة عبر دقائق معدودة ، ينظر خلالها نظرة خاطفة إلى صفحة أو صفحتين من كتيب صغير ، ولا يريد أن يتعب نفسه في معرفة الحكم الشرعي من خلال بحث دؤوب في أقوال العلماء.

وهذا مما ابتُليَ المسلمون به في هذا الزمان ، واضْطَرَّ العلماءَ والباحثين أن يقدموا الأحكام الشرعية للقراء في سطور محدودة وكلمات معدودة ، حتى لا يضيع هذا الجيل من المسلمين ويتخبط بين ظلمات الجهل والوهم.

ولذا أردتُ أن أسهم بعمل متواضع ، يسلط الضوء على الحكم الشرعي في هذه المسألة ، التي يعتبرها البعض – للأسف – مقياسا للإيمان والإسلام ، وعلى أساس ذلك يصنّف الناس ويوالي ويعادي ..!!

ولا أزعم لنفسي في كتابتي هذه الوريقات بلوغَ رتبة العلماء أو حتى طلبة العلم المبرزين ، ولكن أردت أن أقرّب المسألة إلى الأذهان بأسلوب بسيط ، يعرفه هذا الجيل من الشباب ويفهمه العامي من الناس .. فأنا مجرد ناقل لأقوال العلماء .. متبِّع غير مبتدِع ، وجامع غير مؤلِّف ، ومبسِّط للعبارة غير مُنشِئٍ لها.

ولنشرع الآن في الكلام عن المقصود بحول الله تعالى وتوفيقه وعونه..

---------------------------------------------------------------

اللحية: هي الشعر الذي ينبت على الذقن للرجال دون النساء ..

وإعفاءُ اللحية قال البعض أنه فرض وبالَغُوا في العيب على غيرهم ، كما بالَغَ بعضٌ آخرٌ في ادِّعاء أنه ليس فرضا ، ولا مطلوباً بالمرة ..!!

والمسلكان مرفوضان ..

حيث لا يُقِرُّ الإسلام أن يعيب الشخصُ شخصا آخر لمجرد مخالفته في الرأي .. ومن خلال الكلام سيتضح إن شاء الله كيف أفْرَط هؤلاء وفَرّط أولئك في هذه المسألة.

- اتفق الفقهاء على أن إعفاء اللحية مطلوب .. ولكنهم اختلفوا في درجة الطلب..

هل هو واجب .. فيكون المسلم مكلفا تكليفا إلزاميا بإعفائها ، ويأثم لو كان حالقا لها؟

أم هو سنة لا ترقى إلى الوجوب .. فيكون المسلم مكلفا بالإعفاء على سبيل الاستحباب ، فإن شاء فعله وله أجر ، وإن شاء لم يفعله وليس عليه ذنب ؟

فالذين قالوا إن الإعفاء واجب .. استدلوا بحديث الصحيحين: (خالِفوا المشركين ، وفّروا اللِّحَى وأحفوا الشوارب) ، واللِّحى : جمع لحية .

وهذا الفريق حَمَل الأمرَ الوارد في الحديث بإعفاء اللحية على الوجوب ..

أي أنهم قالوا: إعفاء اللحية واجب يأثم المسلم بتركه ..

ويجب الانتباه هنا إلى أن الحُكْم له علّة – أي له سبب ارتبط به في الأحاديث المروية - وهى "مخالفة المشركين".

والذين قالوا أنه مندوب مستحب .. استندوا إلى الحديث الوارد في صحيح مسلم: (عشرة من الفطرة : قص الشارب وإعفاء اللحية والسواك واستنشاق الماء وقص الأظافر وغسل البراجم –وهي عُقَد الأصابع – ونتف الإبط وحلق العانة وانتقاص الماء- يعنى قِلَّتَه عند الاستخدام في الطهارة - وقال مصعب راوي الحديث :ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة)

أصحاب هذا الرأي إذن قد قالوا أن إعفاء اللحية شأنه شأن الأمور المذكورة في الحديث ، وليست كلها واجبة .. فالسواك والاستنشاق وقص الأظافر ليست واجبات ، وطالما أن اللحية مرصوصة مع هذه المندوبات فحكمها كحكم ما وردت معه ، فلماذا يميّز المخالفون حكم اللحية عن بقية ما ورد في الحديث الصحيح ؟

- وردّ عليهم أصحاب الرأي الأول القائل بوجوب الإعفاء فقالوا:

إعفاء اللحية ورد فيه أَمْرٌ على الخصوص .. وهذا الأمر مُعَلَّلٌ بمخالفة المشركين .. لذلك لابد من فهم الحديث على أنه يوجِب إعفاء اللحية ..

- ولكن ليس لهذا الرد وجه معتبر ولا يُعْتَدُّ به .. لأن تخصيص الحكم بعلة من العلل لا يُثْبِتٌ وجُوبَه أو نَدْبَه ، بل كل ما هنالك أنه يثبت تَعَلُّقَ الحكم بهذه العلة وارتباطه الوثيق بها .. فيوجَد حيث توجَد العلة وينتفي حيث تنتفي.

- لذلك رد عليهم القائلون باستحباب الإعفاء.. فقالوا:

لو كان الأمر بمخالفة المشركين يدل على الوجوب لكان صبغ الشعر واجبا ..

فقد ورد الحديث الذي رواه الجماعة كلهم (إن اليهود لا يصبغون فخالفوهم) ، ومع ذلك فقد أجمع السلف على عدم وجوب صبغ الشعر ، فمنهم من صبغ ومنهم من لم يصبغ .. [نقله الإمام ابن حجر العسقلاني في كتاب فتح الباري بشرح صحيح البخاري عند تعليقه على هذا الحديث].

وقال الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم ما نصه: "قال القاضي عياض بن موسى اليحصبي: قال الطبراني: الصواب أن الآثار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم بتغيير الشيب والآثار المروية في النهى عنه كلها صحيحة ، وليس فيها تناقض بحمد الله تعالى ..

بل الأمر بالتغيير لمن كان شَيْبُهُ مثلَ شيب أبي قحافة والد الصديق رضى الله عنهما .. والنهى لمن كان له شَمَطٌ فقط .. [قلت: الشمط هو البياض الشديد وعدم وجود غيره في الرأس].

قال: واختلاف السلف في فصل الأمرين بحسب اختلاف أحوالهم في ذلك .. مع أن الأمر والنهى في ذلك ليس للوجوب .. ولهذا لم ينكر بعضهم على بعض" . أهـ . [جزء 14 صفحة 80]..

فقال أصحاب الرأي الذي يرجح الاستحباب: ومنهم شيخ الإسلام القاضي عياض اليحصبي وشيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني -وهما من هما في القَدْرِ والإمامة-..:

لو قيل في اللحية مثل ما قيل في الصبغ من عدم الخروج على مألوفٍ مِنْ عُرْف أهل البلد ، لكان ذلك أَوْلَى .

وجاء في نهج البلاغة: "سئل علي رضى الله تعالى عنه عن قول النبي صلى الله عليه وسلم غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود) ، فقال: إنما قال ذلك وأهل الدين قلة - أي في قلة يحتاج بسببها المسلمون إلى شئ يميزهم عن بقية الناس- ، فأما الآن وقد اتسع نطاقه وضرب بجرانه ، فامرؤٌ وما يختار.." انتهى

وجاء في فتاوى الشيخ محمود شلتوت صــ 210: "أن صيغة الأمر كما تكون للوجوب ، تكون أيضا لمجرد الإرشاد لما هو أفضل .. وأن مشابهة المخالفين في الدين تكون حراما - فقط - فيما يُقْصَدُ به التشبه بعادات لها اتصال بدينهم .. أما مجرد المشابهة فيما تجرى به العادات والأعراف العامة فإنه لا بأس بها ولا حرمة ولا شبهة ولا كراهة..

ثم قال رحمه الله: الحق أن أمر اللباس والهيئات الشخصية - ومنها حلق اللحى - من العادات التي ينبغي أن ينزل المرء فيها على استحسان البيئة". انتهى

وهذا هو ما اختاره فضيلة العلامة الشيخ عطية صقر أيضا واعتمده في الفتاوى المنشورة له صــ 234.

وكذلك هناك ما نستطيع الاستدلال به للفريق الذي يرى الاستحباب . من كلام شيخ الإسلام أبى إسحاق الشاطبي صاحب كتابي الاعتصام والموافقات ..

فقد قال في الموافقات في باب المقاصد الشرعية: (( "إن الشرائع منذ خلق آدم عليه السلام إلى يومنا هذا لم تنزل إلا لتنظيم حياة الخلائق ، وإقامة منهج الله تعالى على الأرض ، وذلك من خلال الحفاظ على أصول خمسة .. يسميها علماء أصول الفقه الكُلِّيَّات الخمس ، أو الضرورات الخمس .. فلم تنزل شريعة إلا لكي تحفظ هذه الضرورات الخمس..

وهي كالتالي (حفظ الدين - حفظ العقل – حفظ النفس – حفظ المال – حفظ النسل )

وكل شئ من المأمورات - أي: من الأوامر الشرعية التي أوجبها الله تعالى على خلقه - يَصُبُّ في الحفاظ على هذه الخمس وإتمامها وإكمالها وإنمائها ..

كما أن كل شئ من المنهيات – أي: الأشياء التي نهى الله تعالى عنها وحرمها على خلقه - يُبْعِد عنها كل خطر وشر يتسبب في تَلَفِها .. وهذه الخمس هي الأصل والحكمة لكل الأوامر والنواهي" ..

ثم بعد ذلك قسّم الإمام الأوامر والواجبات الشرعية وجعلها درجات .. فليست كلها على مرتبة واحدة" ..

وقال أن " تقسيمها على هذا الترتيب هو من حيث حفظ هذه الخمس .. فما كان يساعد على نمائها وحفظها كان في المقام الأول من الأوامر والواجبات الشرعية ، وما كان أقل من ذلك في الحفاظ عليها كان أقل رتبة في الأمر به والحث عليه "..

ثم أَعْقَبَ ذلك بقوله: إذا تعارضت بعض الأوامر والواجبات في زمن من الأزمان أو مكان من الأماكن مع حفظ واحدة من هذه الضرورات الخمس ، يجب تقديم هذه الضرورة على هذه الأوامر ..

فالضرورة تبيح ما قد حظره الشرع .. عملا بالقاعدة المتفق عليها عند جميع الفقهاء والأصوليين والتي تقول (الضرورات تبيح المحظورات) ".

وذكر الشاطبي" أن الإضرار بهذه الخمس أو بإحداها لا يُشْتَرَط أن يكون مُتَحَقِّقًا لكي نأخذ بحكم الضرورة ..

بل إذا غلب على الظن أو تَرَجَّحَ أنه يترتب على إحداها ضرر من التمسك بواجب من الواجبات الأقل منها رتبة كان لازما على المكلف أن يترك الأمر من أجل أمر أعلى وأكبر..

وتسمى هذه القاعدة قاعدة الترجيح .. حيث يختار المجتهد أو المكلف أخف الضررين اتقاءً لأشدّهما"..)) انتهى بتصرف.

وعلى هذا: فإعفاء اللحية إن تسبب في جلب خطر على النفس أو العقل أو الدين أو المال أو النسل وجب تركه ، مراعاة للواجب الأعظم الذي من أجله أنزلت الشريعة ، ألا وهو حفظ واحدة من هذه الخمس ..

ولا أكون مبالغا إذا قلت أن الأذى في عصرنا واقع على غالب أصحاب اللحى ..

ويؤيد رأيَ الإمام الشاطبي كلامُ الإمام ابن تيمية في الهَدْيِ الظاهر ..

وعلى هذا فَكِلا الرأيين صحيح معتبر عند الفقهاء..

فلا يجوز أبدا أن يتهم بعضنا بعضا بإضاعة السنة وتخريب العقول والابتداع ، لمجرد الاختلاف في قضية قد ثبت أن علماءً كبارا قد اختلفوا فيها .. وإلا نكون بذلك نحكم على الناس بالجهل وندعي العلم لأنفسنا فقط..

وختاما .. حتى نضع الشاب المسلم على خلاصة هذه الرسالة نقول له: لاشيء عليك إذا عملتَ بالقول الذي يرى وجوب إعفاء اللحية .. ولا شيء عليك إذا عملت بالرأي القائل أنه مستحب فقط ..

لكن نكون آثمين لو اتهمنا بعضنا البعض بالابتداع أو الخطأ أو التلبيس على الناس .. لأن إنكار المنكر يُشترط فيه أن يكون المنكر متفقا على إنكاره عند العلماء ، وما وقع فيه خلاف معتبر بين العلماء فلا إنكار فيه.

هذا والله تعالى أعلى وأعلم .. هدانا الله وإياكم لما فيه الحق والخير..

وكتبه: محمود الحساني الأزهري المالكي

نقلا عن موقع قنا اون لاين